أبي منصور الماتريدي
438
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أحدها : ما ذكر من فرحهم بالتخلف عن رسول الله . والثاني : كراهيتهم الجهاد مع رسول الله وبخلهم بأموالهم . والثالث : صدهم الناس عن الجهاد والخروج في سبيل الله بقولهم : لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ . جمع الله جميع خصال المنافقين في هذه الآية . وقوله : فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ ، ذكر المخلفون ، وهم كانوا متخلفين في الحقيقة ، لكنه يحتمل وجهين : ] « 1 » مخلفون خلفهم الله ؛ لما ذكر أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالا ، وأنهم يبغون الفتنة خلفهم عن ذلك ؛ كقوله : وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ [ التوبة : 46 ] قيل : حبسهم ؛ فعلى ذلك مخلفون خلفهم الله لما علم أن خروجهم لا يزيدهم إلا خبالا وفسادا . ويحتمل : مخلفون خلفهم أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنهم لو أرادوا أن يخرجوهم كرها لقدروا على ذلك ، فهم كالمخلفين من هذا الوجه لما لو أرادوا إخراجهم أخرجوهم ، وإن كانوا متخلفين « 2 » في الحقيقة . وقوله : بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ أي : مخالفة رسول الله ، وقرئ « 3 » : خلاف رسول الله ، أي : فرحوا لقعودهم بعد خروج رسول الله صلى اللّه عليه وسلم . وقوله : بِمَقْعَدِهِمْ . يحتمل : القعود ، أي : بقعودهم خلفه . ويحتمل : بِمَقْعَدِهِمْ ، أي : موضع قعودهم ، وهو منازلهم وأوطانهم ، وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم ؛ لبخلهم وخلافهم الذي في قلوبهم . وقوله - عزّ وجل - : لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ هذا في الظاهر يخرج على إظهار الشفقة للمؤمنين ، ولكن لم يكونوا « 4 » أرادوا ذلك ؛ إنما أرادوا حبسهم عن الخروج في سبيل
--> ( 1 ) من أول قوله : « والله ، لئن . . . » إلى هنا سقط في أ . ( 2 ) في أ : مختلفين . ( 3 ) وهي قراءة ابن عباس وأبي حيوة وعمرو بن ميمون بفتح الخاء وسكون اللام . ينظر : الكشاف ( 2 / 296 ) ، والمحرر الوجيز ( 3 / 66 ) ، والبحر المحيط ( 5 / 81 ) ، والدر المصون ( 3 / 487 ) ، واللباب ( 10 / 159 ) ، والطبري ( 1 / 139 ) ، ومفاتيح الغيب للرازي ( 16 / 149 ) ، ومعاني القرآن للأخفش ( 2 / 334 ) . ( 4 ) في ب : يكن .